الفائزون دورة 2019

رحلة في تجارب المترجمين

الفائزون بالدورة الخامسة لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي

إعداد: سمية اليعقوبي[1]

شهدت نسخة هذا العام، 2019، لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي حضور ومشاركة عدد كبير من المترجمين الشغوفين بالترجمة من العربية وإليها من كافة دول العالم. وتنوعت الفئات التي شملتها الجائزة هذا العام لتشمل:

  • فئة الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية
  • فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية
  • فئة الترجمة من اللغة الروسية إلى اللغة العربية
  • فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الروسية
  • فئة الإنجاز في اللغتين الرئيسيتين لهذا العام (الإنجليزية والروسية)
  •  إضافة إلى فئات الإنجاز في اللغات: الأوزبكية والبرتغالية والمالايالامية، وفئة المعاجم، وفئة الجائزة التشجيعية للشباب. وارتفعت نسبة المترشحين للجائزة في هذا العام 2019 بنسبة 15.3%، بما يعادل 31 مشاركة زيادة على عام 2018، بحيث بلغ مجموع الترشيحات لهذا العام 234 مشاركة شملت 34 دولة عربية وأجنبية.

وخلال تسليم جوائز الجائزة في دورتها الخامسة، وعلى هامش مؤتمر الترجمة وإشكالات المثاقفة(6)، الذي أقامه منتدى العلاقات العربية والدولية، التقينا بعدد من المترجمين المشاركين، وعدد من الذين حضروا هذا الحدث الهام، أو شاركوا في المؤتمر بأوراق بحثية مهمة تعالجقضايا ترجمية متشعبة، وقد اقتربنا من تجاربهم وتصوراتهم ومشاريعهم في مجالات الترجمة المختلفة، وأطلعونا على مشاريعهم الثقافية والمعرفية في نقل المعرفة والأفكار بين مختلف الشعوب وشتى الثقافات.

 

تجارب الترجمة... مسارات معرفية وإنسانية

تحدث لنا المترجم ديميتري ميكولسكي، الذي فاز هذا العام بجائزة الإنجاز في اللغة الروسية، عن بداية علاقته بالترجمة من العربية إلى الروسية قائلا: وقعت في حب المؤرخ والجغرافي العربي العلامة المسعودي، وكانت أطروحتي ورسالة الدكتوراة التي قدمتها حول هذا الرجل العظيم؛ حيث تضمنت ترجمة من كتابه مروج الذهب. وأضاف، قبل ذلك كنت قد كتبت أول نبذة عن حياة المسعودي باللغة الروسية حيث تُرجمت إلى اللغة العربية في دمشق عام 2008. أما أطروحتي للدكتوراة فكانت حول الثقافة العربية والإسلامية في مروج الذهب للمسعودي، وهي مترجمة إلى اللغة العربية أيضا. ووجدت في الكثير من الأعمال الفلسطينية لسحر خليفة وغسان كنفاني ما هو جدير بالترجمة، وهنا لابد أن أدلل على عمق اهتمام الدولة السوفيتية القديمة بالقضية الفلسطينية، إذ إننا شهدنا فترة تاريخية كانت تتسم بالميل الشديد لمناصرة القضية الفلسطينية فضلا عن العناية المعنوية والمادية بالمترجمين عن العربية، وكان ذلك متفقا مع رغبتي الشخصية أيضا؛ لإيماني بأن هذه الأسماء الأدبية اللامعة القادمة من فلسطين كانت تستحق أن تصل إلى القارئ الروسي الشغوف بالأدب العربي.

ديميتري ميكولسكي

وسألنا المترجم الروسي: عن إذا كانهناك اهتمام حقيقي بالأدب العربي في روسيا؟ فأجاب: هناك علاقات هامة تربط الوطن العربي بروسيا، وفي الداخل الروسي نلحظ اهتماما كبيرا بالمنطقة العربية وبتاريخها وتراثها العربي والإسلامي. ولا شك أن اللغة العربية هي جوهر هذه الحضارة، وهناك اليوم أمة روسية إسلامية مهتمة بهذه اللغة والدين الإسلامي والآثار الحضارية العربية التي ساهمت في تطور البشرية بصورة عامة.

أما المترجم أسامة غاوجي فهو منشغل بالظاهرة الدينية فلسفة وتاريخا وسياسة. ويقول: صدرت لي من الترجمات أربعة كتب، أولها حقول الدم: الدين وتاريخ العنف لكارين أرمسترونج، وآخرها وهو قيد الطباعة مغامرة الإسلام لمارشال هودجسون في ثلاثة مجلدات. إن المحدد الموضوعي لي هو الظاهرة الدينية عموما، أما المحددات الأخرى فتتعلق بأصالة العمل وجدارة طرحه وراهنيته عربيًا.

أما الفائز بالمركز الثالث في الموسم الثالث من جائزة الشيخ حمد عام 2017، المترجم المغربي محمد جادور فيسرد تجربته الترجمية قائلا: ترجمت كتاب الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية للكاتب والمفكر عبد الله العروي من الفرنسية إلى العربية. وتكمن أهمية هذا المسار الترجمي في أنه العمل الوحيد الذي اشتغل عليه العروي كمؤرخ؛ حيث إن معظم أعماله كانت تتعلق بالفلسفة والفلسفة التاريخية على نحو محدد، ولكن العمل الوحيد الذي مارس فيه التأريخ على أرض الواقع كان هذا العمل فقط. إن هذا العمل هو رصد لفهم الحركات الوطنية إبان الاستعمار؛ وهذا يعني فهم المغرب العربي في بعديه الثقافي والفكري الناتج عن مرحلة الاستعمار. إننا نهتم في هذا العمل برصد الحالة الثقافية المؤسسة للإنسان المغربي، والتي حددت سمات المكان والمجال والعلاقة بين الأنا والآخر.

وحول اتصال الترجمة بالأدب العربي، يقول لوك ليفغرين، المترجم والأستاذ بجامعة هارفارد الأمريكية: أحب الأدب العربي كثيرًا، وأريد أن أعزز حضور العربية في حياتي. في الأدب يمكننا أن نفهم بعضنا البعض، ومن اليسير جدا أن تفهم وجهات النظر عبر قراءة أدب الآخرين بدلا من قراءة أشكال أخرى من المعرفة كالتاريخ والفلسفة أو حتى مشاهدة الأخبار. إن الأدب العربي هو صورة معبرة عن الواقع بكل تناقضاته، وهو أكثر ملاءمة إزاء الأحداث اليومية وتفاصيلها. ما يقوم به المترجم عادة هو تتبع الحدث السردي لآخره حتى يتسنى له فهم الواقع بطريقة صحيحة. ويضيف: إنني وجدت أن ترجمة الأدب كانت أكثر إبداعية من أي ترجمة أخرى، قمت بها لأنها تتكئ على خيال المترجم وفهمه للطبيعة الإنسانية.

لوك ليفغرين

أما المترجمة إخلاص القنانوة، التي فازت هذا العام بالجائزة عن ترجمة كتاب العلم في تجلٍ، فقد تحدثت حول تجربتها في الترجمة قائلة: دخلت عالم الترجمة في عام 2009 بترجمة أول كتاب لي عن مخطوطات البحر الميت، وتبع ذلك ترجمة كتابين في نفس الموضوع في عامي 2010 و2012. ولعلي من أكثر المترجمين حظًا؛ حيث إنني غالبا ما رُشحت لترجمة الكتب من أساتذة كبار يرون في الكتب المطروحة فائدة وقيمة علمية توجب نقلها إلى اللغة العربية.

 

ماذا عن عادات الترجمة، وهل يتداخل نشاط الترجمة مع نشاطات أخرى في اليوم؟

يقول ليفغرين: لا زلت أمارس الترجمة كنشاط مستقل عن عملي الأساسي، لكنه فعل مهم في حياتي. أترجم صباحا قبل قراءة الصحف ومشاهدة الأخبار، ويكون ذلك ملازما لمذاق القهوة الصباحية. وأحرص أن أمنح الترجمة ساعات يومي الأولى لأنها بالتأكيد هي الساعات الأكثر حيوية في اليوم وهي الأمثل بالنسبة لي.

أما المترجم محمد جادور فيقول: أحاول الابتعاد عن الترجمة أثناء انشغالي بالعمل والتدريس؛ إذ لا بد من عزل النص الذي أرغب بترجمته عن كل الإكراهات الأخرى حتى أستطيع العمل بعقل هادئ ومتزن. في بعض الأحيان أقوم بالاشتغال على النص لمدة شهر أو شهرين ثم أتركه بضعة أسابيع وأعود له مرة أخرى . وفي هذه المرة تتشكل تصورات جديدة، فالنص يمكن إعادة قراءته لأكثر من مرة. ولهذا السبب، لا أنسجم أبدا مع الترجمة المحددة بفترة زمنية معينة؛ لأنها لا تمنحني المدة الكافية للتعامل بطريقة صحيحة مع النص.

محمد جادور

وأضاف جادور، إن الإنسان غالبا ما يتأثر بالوسط الثقافي والأيديولوجي والنفسي المعاش، وهو ما يمكن أن يكون له أثره على نشاطه الثقافي والفكري كالترجمة مثلا. في هذا السياق تقول المترجمة إخلاص القنانوة: أنا لا أترجم إن لم تكن لدي رغبة في الترجمة، ولا أترجم من باب الواجب البتّة. عندما أترجم نصا ما فإنني أقرؤه أكثر من مرة حتى أشعر بالألفة معه.

ولكن ما أهمية الألفة مع النص الأصلي؟ تجيب القنانوة: إن ألفة النص تمنعك من رؤية الأخطاء إن وجدت. وبعد مرور أيام أعود للنصوص مرة أخرى فإما أن تكون الصياغة مرضية وإما أن أعيد صياغتها بالطريقة التي ترضيني.

 

لوك ليفغرين: ما يهمني هو صوت اللغة الأصلية متسربا للغات أخرى

عندما سألنا المترجم لوك ليفغرين عن الاعتبارات التي تضع نصا ما جديرا بالترجمة دون آخر، قال: أعتمد كثيرا على اقتراحات الأصدقاء والأساتذة الذين أعمل معهم بالجامعة. وعندما تقع بين يدي رواية مميزة أقوم بقراءتها أولاً، وإذا أحسست أن لها صوتا من هذه اللغة يمكن أن ينتقل للغات أخرى فإنني أعتمد قرارا بالترجمة. ولكن ما هو هذا الصوت؟ صحيح أنني أقرأ باللغة العربية لكن الصوت بداخلي هو بلغتي الأصلية الإنجليزية؛ فكلما وجدت أن العبارات والتراكيب والمعاني هي ملائمة للغات أخرى فهذا يعني أن النص جدير بالترجمة.   

أما المترجم محمد جادور فيتحدث عن اعتبارات الترجمة قائلا: إن القيمة العلمية للنص مهمة جدا بالنسبة لي، ولابد أن أسأل نفسي دائما: ما الإضافة النوعية المقدمة للقارئ؟ و هل يمكن أن يساهم هذا النص في إحداث تحول في منظومة ثقافية معينة؟ ويضيف: إن الترجمة هي إحياء للنص وإحياء للثقافة وإحياء للنقاش لذلك ينبغي استشعار أهميته للقراء.

المترجم يحبو في النص ويرى فيه ما لا يراه باقي القراء

هكذا تقول المترجمة إخلاص القنانوة متحدثة عن الاعتبارات الثقافية واللغوية التي تقف عليها خلال القيام بالترجمة. وتضيف: جل هذه الاعتبارات معرفية وهي تستلزم نقل المعرفة الرائقة والحصول على معرفة رائقة أيضا. في كل عمل أترجمه تزداد ساعات القراءة لدي على نحو كبير، وبين كل قراءة وأخرى تتشكل عوالم وأبواب معرفية كانت خارج اهتماماتي الذاتية.

إخلاص القنانوة

وحول التسليم بالرضا التام عن الترجمة يقول محمد جادور: علينا أن نعترف بصحة العبارة التي تقول (إن الترجمة هي خيانة للنص الأصلي). إنني لهذا السبب لا أشعر بالرضا التام والمطلق إزاء ترجمتي؛ لأن البحث عن توافق بين النص المترجم وذلك الأصلي لا يمكن أن يحدث بصورة تامة، لكنني غالبا ما أبحث عن معادلة ترضيني بين النصين بحيث يكون هناك تقارب وتوافق كبير بين ما ترجمته وبين النص الأصلي.

غاوجي: أخشى أن تتحول الترجمة إلى محاولة مستمرة للّحاق بالآخرين

سألنا أخيرًا المترجمين حول التحديات والمآخذ التي يرونها إزاء نشاط الترجمة. وفي هذا الإطار يقول المترجم أسامة غاوجي: إن التواصل بين الثقافات أمر ضروري، وتجسير الفجوة هو ما ينتج المعارف الإنسانية والعلمية المستمرة، ولكن ينبغي أن يتلو ذلك جهد عربي خالص وإلا ستتحول الترجمة إلى محاولة لحاق مستمرة بالآخرين وبإنتاجات لا تفتأ تتزايد، بل وقد تغدو كثرة الترجمات ووفرتها عائقًا أمام انطلاقة الذات في حقول العلم والفلسفة والفكر.

أما عن التحديات العملية المتصلة بالترجمة، يقول لوك ليفغرين: بعض عبارات اللغة العربية قد تبدو صعبة لأنها تتصل باللهجة الدارجة، وهي بالتأكيد مختلفة عن اللغة الإنجليزية، ولذا أحاول الاعتماد على الأصدقاء في فهم هذه العبارات ومناقشتها معهم. وحول صعوبات مرحلة الترجمة أيضا تقول المترجمة إخلاص القنانوة: أكثر ما يؤرقني في مرحلة الترجمة هو إيجاد المصطلح الملائم الذي يلزم التعبير به، كما أشعر بمسؤولية عظيمة في إخفاء آثار الترجمة من النص المنقول عن الأصلي، بحيث أحافظ على المعنى المقصود وأراعي سمات الأسلوب باللغة العربية بغية إنتاج نص سلس يتميز بمقروئية عالية.

وأمام صعوبات الترجمة التاريخية يقول المترجم محمد جادور: ينبغي تتبع السياق التاريخي لتطور النص، حيث إن هناك إشكالية مستمرة عند ترجمة النص التاريخي تتصل ببعض المصطلحات التي كانت متداولة في فترة زمنية سابقة لكنها ليست بذات الشهرة والتداول في الوقت الحالي. فعبارة (البيضة الإسلامية) مثلا والتي استخدمت في كتاب العروي الذي قمت بترجمته هي عبارة غير متداولة اليوم. وهنا ألا ينبغي التساؤل بشأن الترجمة الدقيقة لها؟ هل تكون الدولة مثلا؟ وللخروج من هذا الإشكال ينبغي تتبع تطور النص في المسار التاريخي وتجسيد النص في الحالة الآنية، ذلك لأن السؤال الذي ينبغي طرحه هو (لمن أترجم؟) والترجمة هنا بلا شك هي للجمهور الحالي العربي، وقد يكون أحد الحلول المتاحة هو وضع إحالات أو شروحات معينة لفهم النص.

أخيرا، كيف تنظرون إلى جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، وما الذي تمثله لحقل الترجمة الثري عربيا وعالميا؟

إن هذه الجائزة هي واحدة من أكبر الجوائز في العالم العربي والإسلامي والتي تحتفي بترجمات رصينة، والفوز في هذه الجائزة هو غاية لمجموعة كبيرة من المترجمين، هكذا تقول المترجمة إخلاص القنانوة. وتضيف: إن الطابع العالمي لهذه الجائزة مهم جدا، فهو يعني المضي بها نحو أطر أكثر موضوعية وشفافية بمعايير تتجاوز حدودنا الجغرافية، كما أن إشراك لجان تحكيم من بلدان مختلفة يضيف المزيد من العدالة والإنصاف لهذه الجائزة. والأمر الآخر المهم هو إشراك لغات جديدة في كل عام.

ويقول لوك ليفغرين حول الجائزة: إنها فرصة ثرية للنقاش والحوار وإثارة القضايا بشأن الترجمة. إن عملية الترجمة غالبا ما تكون نشاطا فرديا، فنحن نعمل في مؤسساتنا ومنازلنا على الترجمة مستقلين ودون أن يلتفت إلينا أحد، ولكن أن تتشكل فرصة للنقاش والتحدث مع الآخرين فهذا أمر مهم لتطوير تجربة الترجمة العالمية. والجائزة هي داعم ضروري لأن تتطور الترجمة وتستمر؛ لاسيما وأنها تربط بين الترجمة كفعل ثقافي وبين التفاهم الإنساني والدولي كفعل عالمي وهذا مشروع خلاق نادر عالميا.

أما المترجم محمد جادور فيرى في الجائزة اعترافا عالميا بجهود الترجمة والمترجمين، ويقول: إنها دلائل جديدة على أهمية تحسين الأداء، وبصرف النظر عن تطورها عاما بعد عام فالجائزة تجعل أمام المترجم مسؤولية كبيرة إزاء بذل الجهود لتخطي المستوى الذي تفوز به هذه الأعمال عاما بعد عام.

 

[1]صحفية وباحثة عمانية.