ندوة واقع وآفاق الترجمة بين اللغتين العربية والتركية

ندوة واقع وآفاق الترجمة بين اللغتين العربية والتركية

افتتح الفريق الإعلامي لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي سلسلة ندوات الترجمة للموسم الثامن للعام 2022، بعنوان "واقع وآفاق الترجمة بين اللغتين العربية والتركيةيوم السبت الموافق 26 مارس 2022 وشارك بها عدد من الأكاديميين والمترجمين الأتراك.

تجربة تركيا في الترجمة الى العربية والعكس

انطلقت الندوة بمداخلة الأستاذ الدكتور يعقوب جيفيليك أستاذ اللغة العربية في كلية العلوم الإسلامية بجامعة أنقرة يلدريم بايزيد الذي تناول في ورقته تجربة تركيا في الترجمة الى العربية وطبيعة الجهود الرسمية والفردية وتاريخها، مستعرضا تاريخ الترجمة في فترة ما قبل العثمانية حيث ترجمت الأعمال المهنية من العربية إلى التركية، وكان معظمها يخدم أغراضًا عملية. واتسمت هذه الأعمال بكونها كتيبات تم إعدادها للمربين والمحاربين أو المحامين أو الأطباء. كما سادت ترجمة الأعمال الدينية والأدبية والفلسفية والصوفية، وأوضح أنه حركة الترجمة نشطت بدعم محمد علي باشـا في مصر بهدف التحديث وتقوية مجال العسكري والبيروقراطي في الدولة كما تُرجم قاموس الجوهري الصحاح إلى التركية باسم لغة وان قولو Vankulu Lügati ونُشر في إسطنبول عام 1142. وترجم قاموس الفيروز آبادي إلى التركية من قبل المترجم عاصم أفندي ونشر عدة مرات في اسطنبول. وكذلك تمت ترجمة ابن خلكان وفيات الأعيان وغيرها من كتب التراث العربي إلى التركية.

وتحدث د. جيفيليك عن مشروع وبرنامج TEDA، الذي تم تنفيذه من قبل وزارة الثقافة التركية منذ 2005، وهو برنامج دعم للترجمة والنشر يعتمد على ترجمة ونشر وترويج الأعمال الكلاسيكية والمعاصرة للثقافة والفنون والأدب التركي إلى لغات أخرى غير التركية من خلال دور النشر. حيث تم بين عامي 2005 و2021 دعم 3495 طلبًا من حوالي 725 ناشرًا في 85 دولة مختلفة ليتم ترجمتها ونشرها في 60 لغة مختلفة ضمن نطاق برنامج TEDA. ومن بين هؤلاء، تمت ترجمة 402 عملاً أدبيًا وثقافيًا تركيًا إلى اللغة العربية في 15 دولة عربية مختلفة.

تجربة شخصية في عملية الترجمة من وإلى التركية

وتناول أ.د. محمد حقي صوتشين رئيس قسم اللغة العربية بجامعة غازي عن تجربته الطويلة في مجال الترجمة بين العربية والتركية، حيث ذكر مساره الأكاديمي ككاتب مؤلّفات عن دراسات الترجمة نظريا وعمليا وتاريخها فضلا عن ما ترجمه من الأدب الكلاسيكي العربي وعلى رأسها المعلّقات السبع ترجمة شعرية لأول مرة في التركية، وترجمة حيّ بن يقظان لابن طفيل وطوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، كما تحدّث عن تجربته مشرفًا لورش الترجمة الأدبية ضمن وزارة الثقافة التركية، وورش ترجمة معاني القرآن الكريم ضمن رئاسة الشؤون الدينية التركية، وورش الترجمة الشفوية للمترجمين في مجال الصحة والصحة العقلية والهجرة.

فيما يتعلق بمدى الإقبال على الترجمات التي قام بها قال الدكتور صوتشين أن ترجمته للمعلقات السبع صنف ضمن أفضل 50 كتابًا في تركيا عام 2020، وأن شعراء وناقدين أتراك مثل حيدر أرغولان، وعمر أرديم، وبورجو آلكان، وسعاد باران، وأنور طوبال أوغلو وغيرهم كتبوا ما يقارب 15 مقالا عن الترجمة وقاموا بتحليل المعلقات من خلال الترجمة، وأجريت حوارات مع المترجم بهذا الصدد ما يشير إلى مدى إقبال القارئ التركي لها.

وفيما يتعلق بترجماته إلى اللغة العربية قال د. صوتشين إنه قام مؤخَّرا بترجمة مختارات لشعر يونس أمرة الذي عاش في وسط الأناضول بين منتصف القرن الثالث عشر إلى أول ربع القرن الرابع عشر والذي كتب قصائده بالتركية بدلا من الفارسية السائدة آنذاك، كما فعله الشاعر الإيطالي دانتي بالنسبة للغة الإيطالية بدلا من اللاتينية، حيث تضمنت المختارات أكثر من خمسين قصيدة ترجمتْ في اللغة العربية.

كما قال المترجم التركي الذي ترجم خمسة وثلاثون كتابًا من عناوين مختلفة من الأدب العربي وعلى رأسهم يحيى حقي، جبران خليل جبران، نزار قباني، محمد بنيس، نوري الجرّاح، وغسان كنفاني، ونجيب محفوظ، وعدنية شبلي وغيرهم حيث أفاد أن رواية "تفصيل ثانوي" لعدنية شبلي طبع ثلاث مرات خلال خمس أشهر وهي حالة فريدة غير مسبوقة للأدب العربي في تركيا، كما نالت الرواية جائزة الترجمة من قبل جهة تركية معروفة ستعلن في 8 من شهر ابريل.

وتحدث صوتشين أيضا عن ترجماته من الأدب العربي ومجموعها 157 ترجمة من قصة وشعر نشرت في دوريات أدبية تركية خلال السنوات الماضية لحد الآن، فضلا عن الترجمات التي جرت خصّيصًا لمهرجانات أدبية تقام كل سنة في مدن تركية وعلى رأسها إسطنبول وإزمير وأسكيشهير وغازي عنتاب وبلدة صبانجا.

مجالات الترجمة في اللغة التركية

وعن مجالات الترجمة في اللغة التركية (الأدب/العلوم الإنسانية) وطبيعتُها أوضح الأستاذ الدكتور مراد أوزجان في ورقته مجالات الترجمة من اللغة التركية إلى اللغة العربية ومن اللغة العربية إلى اللغة التركية عبر التاريخ. وبين أن الترجمة بدأت بجهود خاصةً. في هذا العهد نرى ترجمةَ آثارِ عبد الحق حامد، نامق كمال وضياء باشا. كلها تبعا في مجال الأدب. وفي عهد الجمهورية في تركيا تمت ترجمة بعضِ الكتبِ في مجال السيرة الذاتية والسيرة الشخصية مثل الكاتبة قدرية حسين. وبعد ذلك من بداية عهد الجمهورية حتى يومنا هذا نلاحظ أن كثيراً من عمليات الترجمة تمت في مجال الأدب أيضا، مثل عزيز نسين، ناظم حكمة، يشار كمال، أليف شفاق، أحمد أوميد، أوقاي ترياقي أوغلو وأورهان باموق بعدما حصل على جائزة نوبل. وأضاف أن الرواية هي أكثر نوعٍ مترجَم في الأدب وبعد ذلك تأتي القصة القصيرة والمسرح والخاطرات والشعر. ونعرف أن محمد عاكف أرصوي وناظم حكمت وأورخان ولي هم الشعراء الذين تمت ترجمة أعمالهم إلى العربية. كما أن السينما التركية تعيش عهدها الذهبي حتى عقود قريبة فأضحى المشاهد العربي يتابع الكثير من المسلسلات التركية وهم يعرفون الكثير من الفنانين والفنانات من تركيا. وهم يشاهدون المسلسلات والأفلام مترجمةً بالعربية الفصحى أو المدبلجة بالعربية العامية. وبفضل مشروع تيدا تمت ترجمة مختلف المجالات إلى العربية. مشروع تيدا هو مشروع انفتاح الأدب التركي إلى خارج تركيا بفضل دعم مادي للمترجمين والناشرين لترجمة الأدب التركي.

وأسهب في الحديث عن مشروع تيدا في اللغة العربية الذي أنجزه مع أستاذ غوركان داغباشي من جامعة أنقرة حاجي بايرام ولي حيث ترجمت ما يزيد على224 عملا في الأدب والفكر والثقافة والتربية . وأشار إلى ترجمة أدب الطفل من اللغة التركية إلى العربية

وعن الترجمة من العربية إلى التركية، يعود تاريخ الترجمة من العربية إلى التركية إلى ماض طويل. ولِاِعتناق الأتراك الدين الإسلامي دورٌ كبيرٌ في هذا الأمر. دخلت مجموعة مهمة من الترجمات الدينية مثل ترجمة القرآن والحديث الشريف والفقه إضافة إلى أعمال في الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والطب.

إن الاهتمام بالأدب العربي في تركيا محدودٌ جدا مقارنةً بالآداب الأخرى. وقد اهتمت دُورُ النّشر ذات توجه الإسلامي بترجمة الأدب العربي أكثر من اهتمام دور النشر الكبيرة التي لديها شبكة توزيع على المستوى الوطني. ويخضع اختيار الأعمال للترجمة على الأكثر للتوجه الأيديولوجي لدار النشر. ربما تفكر دور النشر مُعَدَّلَ الرِّبْح المادي في اختيار الأعمال الترجمة. مثلا واحدة من دور النشر في تركيا حصلت على حق الترجمة والنشر لكل روايات نجيب محفوظ.

وفي ترجمة الأدب العربي الحديث كان حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب في عام ١٩٨٨ نقطة تحول في ترجمة الأدب العربي إلى التركية. قبل نجيب محفوظ أكثر الكتاب الذين تُرجمت أعمالهم مو جورجي زيدان وجبران خليل جبران ونجيب الكيلاني وتوفيق الحكيم ونوال السعداوي والطيب الصالح وغسان كنفاني. فوصل عدد المترجمات من الأدب العربي إلى التركية 407 عملا مترجما.

المعوقات التي تواجه المترجم التركي إلى العربية

وتناولت المداخلة الرابعة للأستاذة الباحثة الأكاديمية سارة بايرام – جامعة العلوم الإسلامية العالمية – برنامج الدكتوراه – الدراسات اللغوية، المعوقات التي تواجه المترجم التركي إلى العربية، وقد سلطت الضوء على الاختلاف المنطقي بين اللغتين، وأن ذلك يرجع إلى اختلاف العائلة التي تنتمي إليها كل منهما، حيث إن اللغة العربية من اللغات السامية وتنتمي إلى اللغات الآفرو- آسيوية، بينما اللغة التركية تنتمي إلى فصيلة اللغات الأورالية – الألتائية التي تعود إلى آسيا الوسطى. وهذه الاختلافات تجعل عملية الترجمة بينهما صعبة تعوق سلاسة إخراج ترجمة دقيقة وصحيحة من قبل المترجم. وكان من أبرز الاختلافات التي ذكرتها:

أن اللغة العربية لغة اشتقاقية، أي أن توليد الكلمة لدلالات جديدة يكون عن طريق الاشتقاق مع الاحتفاظ بجذر الكلمة، بينما اللغة التركية لغة إلصاقية إلحاقية، أي تتغير وتتوالد دلالاتها النحوية بإضافة اللواحق إلى الجذر. وأن اللغة العربية لغة إعراب، كما أنها تملك أوسع مدرج حلقي صوتي. واختلاف طريقة تكوين الجملة في اللغتين، فترتيب الجملة في اللغة العربية يكون (فعل + فاعل + مفعول به) بينما في اللغة التركية (فاعل + مفعول به + فعل). كما أن اللغة العربية من اللغات التي تفرق بين المذكر والمؤنث، بينما في اللغة التركية فلا. وضخامة المخزون اللغوي في اللغة العربية مقارنة باللغة التركية. وكثرة حروف الجر ودخولها على الأسماء والأفعال مقارنة باللغة التركية. والعبارات المجازية والأمثال. وهي التي تشكل صعوبة كبيرة بسبب اختلاف الثقافات. وكثرة اللهجات الموجودة بين الشعوب الناطقة للعربية، واختلاف تفاسيرها فيما بينهم، ناهيك عن صعوبة الإحاطة بها.

وفي مسك الختام أكدت الدكتورة حنان الفياض المستشارة الإعلامية للجائزة فعل المثاقفة وبينت سبل السعي لقيادتها لتصبح مثاقفة ناضجة، واستعرضت أهداف الجائزة ورؤيتها وآلية توزيع القيمة المالية السنوية بالإضافة إلى فئات الجائزة وأهمية اللغة التركية كلغة رئيسة ثانية إلى جانب الإنجليزية، واختيار خمس لغات جديدة في فئة الإنجاز، وهي: بهاسا إندونيسيا والكازاخية والرومانية والسواحلية والفيتنامية. وقد دعت الدكتورة الفياض المهتمين للدخول عبر موقع الجائزة (www.hta.qa) من أجل تحميل استمارات الترشيح وغيرها من الفوائد التي تغنيهم حول طبيعة الجائزة.

وفي الختام أشاد الدكتور علي مقدادي/ أستاذ اللغة التركية في الجامعة الأردنية في إدارته للندوة بجهود المترجمين واستمع المنتدون إلى مجموعة من المداخلات والاستفسارات عبر رابط الندوة في الفيس بوك، منها ما يتعلق بتفاصيل الترشيح لهذا الموسم ومنها ما يؤكد دور المنتدين في ترجمة بين اللغتين العربية والتركية.